المنظور الإستراتيجي للدول العربية و العالم الحديث :
إن العالم العربي يتميز بتوحد في العديد من المراحل والقيم و السمات , فأغلب الدول العربية لم تعرف
نور الحرية إلا في بداية العشرين , و بدأت تهتم بعمليات البناء بعد مرحلة الإستقلال , فاعتمدت أنظمة حديثة و
ذات تقليد للسياسات المستوردة, والمعسكرين الشرقي والغربي , لكن بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي , وبروز القوة
الرأسمالية كقوة إقتصاديةوعسكرية هامة , إنتهجت هذه الدول النظام الرأسمالي الذي يعتمد على إقتصاد السوق
وحرية الفرد في إكتسابه لرؤوس الأموال والتصرف فيها , كوسيلة للخروج من الأزمات التي تتخبط فيها أغلب
الدول العربية , ولحد الآن لازالت هذه الدول على نفس الإستراتيجية المتبعة .
كما أن الدول العربية لها مميزات أساسية مشتركة , تتمثل في وحدة الدين واللغة والعادات والإقليم ,
والمصير , ولها كل الإمكانيات والموارد البشرية والإقتصادية , التي تؤهلها للإنطلاق في سياسات التنمية و
المضي نحو التقدم والإستثمار الواعي لهذه الإمكانيات , بعد أن اجتازت المرحلة الأولى من عمليات البناء , والتي
إعتمدة أساسا على الموارد , ليس من حيث الإستغلال , ولكن من حيث التصدير , الأمر الذي إستغل سلبا من
المستورد البغيض , والذي عمل على تخفيض أسعار هذه الموارد , فأصبحت لا تلبي كل المتطلبات للإستمرار في
المشاريع الكبرى للتنمية , فظهرت بعد ذالك العديد من الأزمات والنكبات الإقتصادية التي عرقلت مسار النمو ,
فحلت البطالة , وغلاء المعيشة , وأزمات السكن , ولم يجد المواطن سبيلا لتدارك تلك الأزمات .
إضافة إلى تغير الأوضاع السياسية العالمية , وظهور الهيمنة الأمريكية على الساحة العالمية , والتي
كانت عاملا أساسيا في إخنلال توازن القوى , واستمرار تردي الأوضاع , السياسية والإقتصادية للعالم العربي ,
وأصبح العالم العربي متهما بكل الصفات المشبوهة واللإنسانية , وخاصة بعد أحداث [ د يسمبر ] والتي كونت
لدى الرأي العام الأمريكي , صورة زائفة عن طبيعة العنصر العربي المسلم , واعتبرته عنصرا مهدما لا عنصرا
مقوما , فاختلت العلاقات مع الدول العربية , واستهدفت العراق بتهمة امتلاكها لأسلحة نووية , واتهمت بقية
الدول بأسباب غير معروفة , لكن الهدف من ذالك واضح , وهو القضاء على كل مواطن عربي له هوية إسلامية
أو إنتماء إسلامي , فأصبحت كل الدول العربية مستهدفة , بلا تمييز , وكان على القادة العرب أن يأخذوا ذالك في
الحسبان , وأن يتهيؤ لكل ما يصدره البيت الأبيض الأمركي .
ومصيرنا نحن الدول العربية مرهون بوحدتنا ووحدة أفكارنا , لأنها هي العامل الوحيد الذي يمكننا من
فرض قوتنا , إبقاء وجودنا , فلا مكان اليوم لمن لا وحدة له , ولا مبرر لمن لا مكان له , فعوامل وحدتنا متوفرة
والذي ينبغي علينا هو حسن استغلالها والعمل على بنائها , بنشر الفكر الوحدوي لدى أفراد أمتنا , ومحو الحدود
التي أقامها الإستعمار , وأبقاها لضمان الحفاظ على مصالحه , والسيطرة على المناطق التي أبعد منها إبان الثورة
المضفرة , فلا أمل للإستعمار إلا بضعف قوتنا , وانهزام ضمائرنا , و التخلي عن أصالتنا و مقومات وحدتنا .
إن العالم اليوم مليء بالصراعات و المنافسات المبنية على المصالح والأهداف المشتركة , فالعالم
الغربي و على رأسه الولايات المتحدة الأمريكية , يمتلك كل عوامل القوة والسيطرة , من حيث امتلاكه لكل أنواع
الأسلحة والإمكانيات العلمية والتقنية , التي كانت عاملا أساسيا في فرض كل القرارات و اللوائح ضد الدول
الضعيفة والنامية , للإبقاء على هيمنة الدول القوية , فأخذ العالم يسير بمنطق الغاب والطغيان , ولم يجد من يغير
هذا المسار , لأن بقية الدول لم تستطع الخروج من أزماتها , وبقيت في تصارع مع هذه الأزمات , رغم محاولة
القضاء على تدهور الأوضاع الإقتصادية على وجه الخصوص من طرف هذه الدول .
وبقي الصراع على
السيطرة أيضا على أوجه , في القارة الآسيوية بين العملاقين الصين و اليابان ,
من الناحية الإقتصادية , فأصبحت كلا الدولتين تعمل على تنويع منتجاتها , وتحسين جودتها , وتوسيع تعاملاتها
في السوق العالمية , فكانت بذالك منافسة لدول أوروبا وأمركا اللاتينية , وكادت أن تحتلا الصدارة في أغلب
الميادين الإقتصادية , ووصلت منتجاتها إلى كل المناطق في العالم , من بينها الجزائر , وبقيت هاتين الدولتين
ضعيفتين عسكريا بالمقارنة مع المعسكر الأوروبي والمعسكر الأمركي , إلا أن الصراع تجاوز الآثار العسكرية و
بقي مقتصرا على النواحي الإقتصادية والعلمية .
والنظرة الإسترتيجية المستقبلية تؤهل الصين لأن تحتل الصدارة العالمية , بحكم امتلاكها لكل عوامل
القوة والبقاء , واحتلالها لمساحة كبرى ذات ميزة إنتاجية , إضافة إلى عدد سكانها الرهيب والذي يتجاوز المليار
ساكن , كما أن الصين لا تعاني من أزمات وعراقيل تنموية أو إقتصادية , فهي بذالك مستقرة في العديد من
الميادين , وتتطلع للإهتمام بالميادين الأكثر أهمية , كالميدان العسكري , و العلمي .
ودول العالم العربي مؤهلة لأن تتجاوز مرحلة التنمية الإقتصادية , بالنظر إلى المعطيات والمؤهلات
التي لا تملكها كل دول العالم مجتمعة , والذي يبقى على هذه الدول هو حسن التسيير و التحكم في الموارد و
الطاقات الضخمة البشرية و الطبيعية , والتخلص من التبعية الإقتصادية و اللامتزنة للغرب , والإعتماد الكلي على
القوى الذاتية للخروج من أهم الأزمات , لأن تقدم الأمم والشعوب مرهون بمدى وعييها , وإدراكها لضرورة تحمل
المسؤولية للقيام بعمليات النهضة , فالمهمة ليست مستحيلة , إذا ما بررت الغايات , وتجاوزت الخلافات , و
استغلت الإمكانات , واستغني عن إبرام الإتفاقيات , مع أصحاب القرارات , ضد الفلسطينيين و الفلسطينيات .